كتب - هشام عمر عبدالحليم
ودعت مصر بالأمس واحدًا من أبرز مثقفيها، وهو المفكر البارز الدكتور عبدالوهاب المسيري، أستاذ الأدب الإنجليزي ومؤلف موسوعة «اليهود واليهودية»، وذلك في ظل غياب رسمي كامل، وحضور عشرات المثقفين ومئات المشيعين، الذين رافقوا الفقيد إلي مثواه الأخير.
وأقيمت صلاة الجنازة علي روح الفقيد في مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر، قبل أن ينتقل المشيعون وجثمان الفقيد إلي مسقط رأسه بمحافظة البحيرة.
وكان لافتا للغاية الغياب الرسمي التام عن الجنازة، وهو ما فسره البعض بأن ذلك يرجع إلي انضمام الفقيد لحركة «كفاية»، غير أن البعض رأي أن علي الدولة أن تكرم العالم والمفكر في شخصية المسيري بغض النظر عن اختلافها معه سياسيا، لاسيما أن حضور مصر «غير الرسمية»، كان واسعا نظرا لقيمة الرجل الكبيرة.
ومن بين المشاركين في التشييع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، الذي حضر علي الرغم من توعكه صحيا، والداعية عمرو خالد، والروائي يوسف القعيد، ومدير مكتب قناة الجزيرة، حسين عبدالغني، بالإضافة إلي عشرات الشخصيات العامة التي شاركت في تشييع المسيري. وأبدي المشاركون في الجنازة حزنهم علي خسارة الفقيد، وقال المفكر الإسلامي يوسف القرضاوي إن المسيري كان مفكرًا كبيرًا، مضيفا أنه قل من الناس من يعيش للعلم فقط ويقوم بمناقشة قضايا وأخذها علي محمل الجد ويعود بالقضايا إلي جذورها، مشيرًا إلي قيامه بإعداد موسوعة «اليهود واليهودية» بما استلزمته من جهد كبير، وأضاف أن الفقيد تميز برؤيته الخاصة ولم يستطع أحد أن يشتره مؤكدا أن فقدانه خسارة علمية مؤكدة.
وأكد الروائي يوسف القعيد أن هناك العديد من العناصر التي ربطته بالفقيد من بينها أنه «بلدياته» ،لأنهما من البحيرة، كما ربطت بينهما قضية فلسطين، مشيرًا إلي أنها ليست مصادفة أن يلاقي المسيري ربه في مستشفي فلسطين، لأنها القضية التي احتضنها واحتضنته.
وقال إن المسيري عاش طوال عمره فكرة واحدة من زاوية الفكر وليس السياسة، حيث عمل علي تأصيل جميع نواحي القضية الفلسطينية وظاهرة الصهيونية، كما كان شاعرًا وكاتبًا للأطفال، مشيرًا إلي أنه علي الرغم من تنوع مواهبه وممارسته فإنه «كان عارف هو عايز إيه». ومن جانبه، أشار مدير مكتب قناة الجزيرة في القاهرة حسين عبد الغني إلي أن الفقيد تتعدي قيمته كونه مفكرا من بين عشرات، لأنه تميز بإنجازه الموسوعي «اليهود واليهودية»، كما أن له مواهب ودرسات متعددة في الأدب المقارن وكتب الأطفال وبناء اللغة وتحليل العلاقات وحتي النكتة كانت له دراسات فيها.
وأضافة: قيمة المسيري الكبيرة تظهر في أنه ربط بين الفكر والحركة والعمل السياسي المباشر، فلم يدخل في «برج عاجي» ومات وهو منسق لإحدي الحركات التي أثارت حراكا سياسيا كبيرًا في العالم العربي كله، وكان إنسانًا عظيما وقادرًا علي اصطياد المواهب والدفاع عنها، وأعتقد أن أكثر الخاسرين من كانوا يتعاملون معه مباشرة.
أما منسق لجنة الحريات في نقابة الصحفيين محمد عبدالقدوس، فقال إن الفقيد كان عالمًا يقود حركة «كفاية»، علي الرغم من أن المثقفين يعيشون في أبراج عاجية - عادة - لكنه طبق مقولة: أعرف عدوك، وكان الاستثناء من كل المثقفين لأنه «مكنش بيجعحع علي الفاضي».
أما محمود العسقلاني، عضو حركة «مواطنون ضد الغلاء»، فأشار إلي أن الفقيد كان عضوًا في الحركة وكان له دور إيجابي في تبصير الرأي العام بفكرها، لاسيما أن كثيرين انضموا لها فور علمهم بأن المسيري أحد أعضائها، مضيفا أنه كان حريصا علي تواجده في الحركة، وطالبنا بالمزيد من الدفاع عن حقوق المواطنين.
وقال الداعية عمرو خالد لـ«المصري اليوم» إن المسيري مفكر بكل ما لهذا اللفظ من قيمة، وما يمثله من ندرة في العالم العربي، داعيا الله أن يعوضنا عنه، نظرا لقيمته الكبيرة.
وأضاف: الفقيد كان «صاحب فضل» عليه، لأنه قدم نصائح كثيرة له وساعده بمقالاته وناصر جمعية «صنَّاع الحياة»، التابعة له في وقت كانت تتعرض فيه للهجوم الشديد.
حياته .. مسيرة سياسية حافلة
كتبت - نشوي الحوفي
اشتهر الدكتور عبدالوهاب المسيري، علي مدار سنوات عمره، كباحث وعالم ومفكر، إلا أن سنوات عمره الأخيرة وتحديداً منذ عام ٢٠٠٥ شهدت تحولاً في منحي حياته، علي الرغم من آلام المرض التي كانت تشتد عليه بين الحين والآخر، حيث برز كمعارض سياسي ينادي بالتغيير بطريقة سلمية، مؤكداً حاجة مصر والمصريين لهذا التغيير الذي بات حتمياً، شئنا أم أبينا - علي حد قوله.
كانت البداية مع حركة «كفاية» التي كان أحد مؤسسيها مع نخبة من المثقفين والسياسيين، ليشارك من خلالها في العديد من الأحداث التي ألمت بالبلاد منذ ذلك التاريخ، وفي يناير من عام ٢٠٠٧ اختير المسيري من قبل أعضاء الحركة منسقاً عاماً لها بعد انتهاء فترة رئاسة المنسق السابق لها جورج إسحق، يومها صرح المسيري بأن توليه منصب المنسق العام لـ«كفاية» ما هو إلا دليل واضح علي فكر تداول السلطة الذي يجب علي النظام الأخذ به، ومن خلال منصبه هذا شارك المسيري في العديد من الفعاليات التي تحدث فيها عن وجهات نظره التي يتبناها وفي مقدمتها إشكالية الحكم وضرورة التغيير، وتهميش المثقفين، وتلاشي الطبقة المتوسطة.
وفي الوقت الذي كان يري فيه بعض المحللين والمراقبين أن الشعب المصري يرفض التحرك والمطالبة بحقوقه، بعد أن انشغل باللهاث وراء لقمة العيش، كان المسيري يري غير ذلك مدللاً علي رأيه بالقول: «أظن أن مظاهر التغيير طفت علي سطح الأحداث في السنة الماضية التي شهدت حسب تقديرات البعض ٣٠٠ احتجاج واعتصام وإضراب، فهناك (حالة من الفوقان) إن جاز التعبير، الناس مضغوطة والأمور تتدهور يوما بعد يوم، حياة المواطن العادي تحولت إلي بؤس، مما دفع الناس إلي التعبير عن سخطهما بأشكال مختلفة، في الماضي كان المواطن يدخل القسم فـ«يهان»، ويخرج دون أن يفكر في مقاضاة من أهانه، لكن الآن يقاضي الشرطة ويحصل علي أحكام قضائية، ويحتج أمام الأقسام، وهذه حالة مختلفة تؤكد أن الناس نفد صبرهما».
لم يقتصر دور المسيري كسياسي علي التصريحات في الحوارات المختلفة أو من خلال رئاسته حركة كفاية علي مدي الفترة الأخيرة، لكنه امتد إلي المشاركة في جميع فعاليات الحركة، حتي إنه تم توقيفه مرتين.
ولم تقتصر معارك المسيري علي مجال التغيير السياسي، لكنها امتدت لتشمل تقبل الهجوم عليه بعد مطالبته بفصل الدولة عن الدين، وهو ما أطلق عليه «العلمانية الجزئية»، التي أكد عدم تعارضها مع الإسلام.
حزب الوسط ينعي «المسيري» أحد مؤسسيه وكاتب مقدمة برنامجه
كتب - محمد غريب
وصف أبوالعلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط «تحت التأسيس» وفاة الدكتور عبدالوهاب المسيري بأنها صدمة كبيرة علي المستويين الشخصي والعام.
وقال ماضي: خسرنا قيمة كبيرة ربطتني بها صداقة وطيدة امتدت عشرين عاماً وهو من أوائل مؤسسي الحزب، وكان ضمن ٢٢ شخصية اجتمعت في شهر رمضان ٢٠٠٣ لتأسيس حركة كفاية.. والحقيقة أن التاريخ قلما يجود بشخص يجمع بين المفكر والناشط السياسي في وزن المسيري.
وأضاف: حزني عليه أكبر من حزني علي والدي، أما عصام سلطان القيادي بحزب الوسط فبدأ كلامه بالقول «المسيري يمثل المجموعة الملهمة للفكرة في هذا الوطن» وأضاف: الفكرة عند المسيري هي مشروع حزب مدني بمرجعية إسلامية وإدماج أبناء الحركات الإسلامية في الحركة السياسية وأيضا فكرة الإسلام الحضاري، وقال «المسيري أحد مؤسسي الوسط وكاتب مقدمة برنامجه وشارك في صياغة أفكاره الأساسية».
وأشار سلطان إلي أن خسارة وفاته لا تعوض، وقال: أهم إبداعاته علي الإطلاق هو تنبؤه بانهيار دولة إسرائيل علي أسس علمية وتاريخية، وتابع: لاشك أن وفاة المسيري ستسعد الكثيرين وأولهم الصهاينة وأصحاب الفكر الرأسمالي المتوحش وأعداء الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
اهتم بدراسة «الصهيونية».. فتوقع «انهيار إسرائيل» بعد ٥٠ عامًا
كتب-خالد عمر عبد الحليم
تنوعت مؤلفات عبدالوهاب المسيري بشكل يوضح طبيعته كمثقف «شامل» لا يقتصر علمه أو إنتاجه الثقافي علي ما درسه وتخصص فيه، وهو الأدب الإنجليزي، بل امتد ليشمل نواحي أخري متعددة.
وتعد موسوعة «اليهود واليهودية» العمل الأشهر للمسيري، إذ وصفها المراقبون بأنها العمل الأول الذي حاول دراسة تاريخ اليهود وثقافتهم بشكل محايد يستبعد التعريفات المنتشرة للظاهرة، والتي تدفع لاتخاذ مواقف إما مؤيدة أو معارضة لليهود، لاسيما أنها تناولت تطور اليهود منذ نشأة الديانة وحتي قيام إسرائيل، وذلك في ٨ مجلدات ضخمة أعطت الموسوعة ثقلا كبيرًا لما تضمه من تحليل علمي للظاهرة اليهودية.
ولم تقتصر مؤلفات المسيري حول «الصهيونية» علي الموسوعة فقط، ولكنها شملت العديد من الكتب التي شكلت إثراء «للمكتبة العربية» ومن بينها «الصهيونية وخيوط العنكبوت»، و«الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة»، و«التجانس اليهودي والشخصية اليهودية»، و«انهيار إسرائيل من الداخل» و«مقدمةٌ لدراسة الصراع العربي- الإسرائيلي: جذوره ومساره ومستقبله».
وأكدت مساهمات المسيري الفكرية علي أنه كان مثقفًا حقيقيا، إذ إن غالبيتها تستند إلي مراجع ودراسات مهمة، غير أنه كان «يسبح ضد التيار» بها - حسب الكثير من المثقفين - ليؤكد أنه لم يكن - كآخرين- يستغل الثقافة كتجارة ليتقدم في المجتمع أو ليحقق أهد المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |